الغزالي

99

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

متوسطا في الصلح بيننا ، ووفّقه لذلك ، وقيّضه ليمحو حقد عشرين سنة من قلوبنا وتنصلح بواسطته شئوننا ، وقد وجب علي أن أفي لهذا الرجل بتأميله ، وأصدق ظنونه ، وأكتب له كتابا إلى عبد اللّه ليتوفّر على إكرامه وإعزازه واحترامه وسموّ همّته . ثم إنه طلب الكاغد والدواة وكتب إلى عبد اللّه بخط يده : بسم اللّه الرحمن الرحيم ؛ وصل كتابك - أطال اللّه بقاءك - وقرأته وفهمته ، وسررت بسلامتك ، وابتهجت باستقامتك ، وكان ظنّك أن ذلك الحر زوّر عني كتابا ، ولفّق عني خطابا ، وليس كذلك ؛ فإن الكتاب أنا الذي كتبته ، وعلى يديه أنفذته ، وليس بمزور عني ، وتوقعي من كرمك وحسن شيمك أن تفي لذلك الحر الكريم بأمله ، وتعرف له حرمة قصده ، وأن تخصّه منك بغامر الإحسان ، ووافر الامتنان ، فمهما فعلته في حقه فأنا المعتد به والشاكر عليه . ثم عنون الكتاب وختمه وسلّمه إلى الوكيل ، فأنفذه الوكيل إلى عبد اللّه ، فحين قرأه ابتهج بما حواه وأحضر الرجل وقال : أي الأمرين اللذين ذكرتهما تختار أن أفعل معك ؟ فقال الرجل : العطاء أحب إليّ . فأمر له بمائتي ألف درهم ، وعشرة أفراس عربية ، منها خمسة بالمراكب المحلاة ؛ وخمسة بالجلال ، وعشرين تختا من الثياب ، وعشرة مماليك ركاب الخيول ، وما يليق بذلك من الجواهر المثمنة ، وسيره بصحبة مأمونه إلى بغداد . فلمّا وصل إلى أهله قصد باب دار يحيى بن خالد وطلب الإذن ، فدخل الحاجب وقال : يا مولانا ببابنا رجل ظاهر الحشمة جميل الهيئة حسن الجمال كثير الغلمان . فأذن له في الدخول ، فدخل إليه وقبّل الأرض بين يديه ، فقال له يحيى : ما أعرفك . فقال : أنا الرجل الذي كنت ميتا من جور الزمان ، وغدر الحدثان ، فنشرتني وأحييتني ؛ أنا الذي حملت الكتاب المزور عنك إلى عبد اللّه بن مالك . فقال يحيى : وما الذي فعل معك ، وأي شيء أعطاك ووهب لك ؟ فقال : من بركاتك وظللك وكرمك وهمّتك وفضلك أعطاني ونولني وأغناني ، وقد حملت جميع عطيته وها هي ببابك والأمر إليك ، والحكم في يديك . فقال له يحيى : صنيعك معي أكثر من صنيعي معك ، ولك علي المنّة العظيمة ، واليد الجسيمة ، إذ بدّلت تلك العداوة التي كانت بيني وبين ذلك الرجل المحتشم بالصداقة ، وأنت كنت في ذلك السبب ، وأنا أهب لك من المال مثل ما وهب لك . ثم أمر له من المال بمثل ما أعطاه عبد اللّه بن مالك . وإنّما أوردنا هذه الحكاية ليعلم من يقرؤها أن الإنسان إذا كانت همّته عالية لا يضيع أبدا كما لم يضع ذلك الرجل ، ولو كان خسيس الطبع لالتجأ إلى عمل دنيء وتعلّق بلئام الناس ، ولكنّه لمّا كانت له همّة سامية ، تهوّر وأقدم وخاطر مع رجل محتشم ، كريم الأخلاق ، طاهر الأعراق ، فوصل بذلك التهوّر إلى مراده . انظر إلى